عبد الشافى محمد عبد اللطيف
280
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
وهكذا مضى العباسيون قدما في تنفيذ السياسة التي رسمها الأمويون لأسلمة بلاد ما وراء النهر ، وحققوا نجاحات هائلة ، وسارت الثقافة الإسلامية في ركاب الإسلام ، وتوطدت أركانها بين أهل البلاد ولم تعد ثقافة الوافدين ، وبدأ أهل البلاد يتعلمون اللغة العربية ، وإذا كانت المراكز الثقافية فيما وراء النهر - خاصة في بخارى وسمرقند - لم تبرز وتحدد معالمها إلا في عهد الطاهر بين ( 205 - 259 ه / 820 - 873 م ) والسامانيين ( 261 - 389 ه / 874 - 999 م ) إلا أن الخطوات الأولى التي أدت إلى ذلك التطور قد بدأت في أواخر العصر الأموي وأوائل العصر العباسي . ومن أراد أن يعرف الجهود التي بذلها أهل ما وراء النهر وإسهاماتهم في الثقافة الإسلامية ويقدر كل ذلك حق قدره فما عليه إلا أن يرجع إلى كتب طبقات العلماء ، مثل طبقات الأطباء ، والحفاظ ، والفقهاء ، والمفسرين ، والمحدثين ، والنحاة ، واللغويين ، والشعراء . . . إلخ ومما لا شك فيه أن بروز علماء كبار من أهل تلك البلاد من أمثال الإمام البخاري - لا على مستوى بلاد ما وراء النهر فحسب ، بل على مستوى العالم الإسلامي - لم يتم بين عشية وضحاها بل لا بد أن يكون هذا الجيل من العلماء مسبوقا بأجيال كثيرة مهدت له الطريق « 1 » . * انتشار الإسلام في بلاد ما وراء النهر : تمهيد : قبل الحديث عن انتشار الإسلام في بلاد ما وراء النهر ، يجدر بنا أن نقول كلمة موجزة عن طبيعة الدعوة الإسلامية والعوامل التي مكنت للإسلام من الانتشار والقبول في جميع الأقطار التي فتحت بصفة عامة ، وفي بلاد ما وراء النهر بصفة خاصة . أما عن طبيعة الدعوة الإسلامية وماهيتها فهي طبيعة عالمية ، والدين الإسلامي دين عالمي بمعنى الكلمة « 2 » ؛ فقد جاءت الرسالة الإسلامية للجنس البشري كله ، وليس لشعب دون شعب ، ولا لأمة دون أمة ، وهذه الحقيقة نصت عليها آي الذكر الحكيم في وضوح مثل قوله تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً [ سبأ : 28 ] ، وقوله تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 107 ] ، وقوله تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [ الأعراف : 158 ] ، إلى غير ذلك من الآيات
--> ( 1 ) د . حسن أحمد محمود - المرجع السابق ( ص 163 ، 164 ) . ( 2 ) انظر بارتولد - تاريخ الترك في آسيا الوسطى ( ص 70 ) .